الثلاثاء، 24 فبراير 2026

الشاعر / عمران قاسم محاميد‏ > النص / أن لا نخون المعنى










الشاعر / عمران قاسم محاميد‏

النص / أن لا نخون المعنى

.....................

آه يا وطني الغائر في صدري،
كجذرٍ يلتفّ تحت الحجر،
يئنّ إذا لمسته الريح،
ولا يطلب النجاة
لأن النجاة
وعدٌ يتأخّر.
المقابر لا تنام،
هي مدارسُ صمتٍ
تعلّم الذاكرة
أن ترى في الظلّ
ما تعجز النهارات عن قوله،
وحين أمرّ بها
تدلّني العظام
على طريقٍ
يمرّ بين خفقات القلب
وصمتٍ طويل
علّم الكلام كيف يبقى،
لكنّه أضاع المعنى.
نمشي…
ولا يمشي الطريق بنا،
كأن الأرض
اختبرت صبرها
في أقدام الأحرار،
فنحمل الأمل
كجرحٍ نبيل،
كشمعةٍ تعرف
أن الريح
جزءٌ من الضوء.
الوطن لا يحصي الناس،
هو يعرفهم،
يعرفهم
من أثر الكفّ على باب الليل،
فإن مُحي
عاد نقشًا في الجدار،
لأن الذاكرة
لا تموت إذا أُحبّت.
وكان في البلاد صوتٌ،
حين ضاق الهواء
فتح للنهار نافذة،
صوتٌ خرج من الحناجر
لا ليقود
بل ليُذكّر
أن الغناء
أسبق من الانكسار
وأن الاسم
عبد الباسط الساروت
لم يكن حنجرةً فقط،
بل امتحانًا
لقدرة الليل على الإصغاء.
وكان في البلاد طفلٌ،
كُسرت الساعة في معصمه،
فكبر الزمن فجأة،
لم يبكِ،
بل أعاد للدمع معناه،
حين صار الاسم
حمزة الخطيب
مرادفًا
لبراءةٍ
لم تجد اعتذارها،
فمشت خفيفةً
في ذاكرة العالم،
أثقل من الحجر.
والفقير يعرف أكثر،
لأن الجوع
يقرأ الغيم بلا استعارة،
ويحفظ موعد المطر
دون تقويم،
ويثق بالأرض
لأنها لا تجامل.
وعند المساء،
حين تُغلق البلاد نوافذها
خشية السؤال،
يتمرّد القلب بهدوء،
ويترك شقًا صغيرًا في الستار،
ليدخل الضوء
متعبًا…
لكن صادقًا.
ذلك الوطن
لم يولد بعد،
ومع ذلك
يولد كل يوم
في القلوب
التي لم تتعلّم بعد
فنّ الاستسلام.
ولا تتركوا الدم
وحيدًا على الطرقات،
فالدم إذا نُسي
صار ماءً عابرًا
لا اسم له.
سمّوه…
لا ليبقى جرحًا،
بل ليبقى طريقًا.
قولوا:
هذا دمٌ كان يمشي معنا،
وكان يعرف شكل الصباح
قبل أن نعرفه.
لا تضيّعوه في الضجيج،
ولا تُزيّنوه أكثر من وجعه،
ضعوه في القلب،
حيث تحفظ الأرض
أسماءها دون كتابة.
فالشهداء
لا يريدون تماثيل،
يريدون فقط
أن نكمل الجملة
التي توقّفوا عندها،
وألّا نخون المعنى
حين ينجو الكلام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق